الإمتاع والمؤانسة
بقلم: علي بوجرمين
الحلقة الثانية
شرحتُ الآياتِ بإجمال مع استخلاصِ العبر والفوائد والحكم والفرائد.....
إن أغلبَ الجامعات العالميةِ تقرّرُ الإلحادَ كنظريةٍ لا شك فيها ، والدليلُ عندهم على إلحادِهم هو اللا دَليل!
إذا ناقشتَ أي ملحدٍ في العالم يقول لك أني لا أعترف بأي حقيقة لا يثبتها المنهج العلمي والتجريبي عليها وكون أن الله موجود هذه فرضية لا دليل عليها ، وبالتالي ليس واجبا الإيمان بالله!
ملخصُ الإلحادِ هو أنّ عدمَ الدليل هو دليلٌ على العدم!
وهذه مغالطةٌ وسفسطةٌ وإلغاءٌ للعقل والحسِّ معا.
والذي يُؤلم حقا أن هذه الشبهةَ الساذجةَ قد غزَت حتى جامعاتِنا و مجتمعاتِنا العربيةَ والإسلاميةَ وبين الطبقة التي يقال عنها مثقفة ! زعموا....
الطبقةُ المثقفة منبهرةٌ بكل ما يأتي من الغرب ولو كان غريبا عن عقائدنا و مناقضاً للمسلماتِ والضروراتِ العقليةِ فلسانُ حالهم ومقيلهم أنً الاذعانَ للغرب علمياً وتكنولوجياً يوجبُ علينا التسليمَ بثقافتهم تبعاً ، بل سفهاً....
صادفتُ يوماً وأنا بالطائرةِ كهلاً ذا هيبةٍ ووقارٍ جالساً بجانبي وأنا أتصفحُ كتابَ "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيانَ التوحيدي الأديب ، وأسلوبُ الكاتبِ الأخاذِ يجعلُك تتخيلُ القصَص التي يُورِدها وكأنكَ تعيشُها بحقٍّ مع تشويقٍ قلّ نظيرُه بين الأدباء وإذ بالطائرةِ تُقلِع ،حينَها وضعتُ الكتابَ وانشغلتُ بالتّكبير كما هي السنةُ في السّفَر عند الصّعُود... على أساس أني بعد استواءها للسّفْر سَأعود.
وإذ بصاحبي في السّفَر رفع سِفري بيديه ،مشيراً إلي برأسِه أنْ "إذا سمَحت! ".
فعبّرتُ بتغميضِ عَينيّ والغيظُ واضحٌ من خَدَيّ أنْ " نعَم ".....
ثم أخذَ يتأمّلُ و يُقلّبُ الصفحاتِ
وكأنّني أتألمُ منهُ بالصّفَعاتِ!
حتّى استَدارَ إليّ وهَمَسَ في أُذُنيّ :" إنّ أبا حيّانَ التّوحِيدي كان أعظمَ مَن عرَّفَ التّوحيدَ هو ومجموعةٌ من فلاسفةِ المسلمين كابن سِينا و الفارابي و المَعَرّي وإخوانِ الصّفا وابنِ عربي وابنِ الرّاوَندي وغيرِهم...
وهو الذي لَقّبَ نفسَه بالتّوحيدي نسبةً إلى التوحيد الحَق وهو أنّ عينَ الخَلقِ والخالقِ شيءٌ واحدٌ في الأزل....! "
فنزلَ عليّ هذا الكلامُ كالصاعقةِ على قَلبي وهو يُقرّرُ الإلحادَ ويفسّرُهُ بالتّوحيد.
فعلمتُ أنّهُ فيلسوف، يعتقدُ بوحدَةِ الوُجُود وهي عينُ الإلحَادِ والزندقة!..
فعَزَمتُ على مُناظَرتِه بحكمةٍ وحلم، لعلّ اللهَ يَهديه ويذهبُ عنه الشركَ والوهمَ الذي عَشعَشَ في فِكرِه ووجدانِه...
فقلت له :لعلّك فيلَسوف !
قال لي : أنا أستاذٌ جامعيّ بجامعةِ القاهرة في الفلسَفة ،
وأنت؟
أنا خريجُ الجَامعة الإسلامية بالجزائر و محبّ للأدَب العربي و العالمي....
ثم بدَأ بيننا الحِوار
وكان بجانِبنا أحدُ المسافرينَ بالجِوَار
فضَمَمناهُ معَنا في المُناظَرة
كرقيبٍ أو حاكم على أحدنا بالمناصَرة.
فقلت له : هل وجودُ اللهِ هو فرضيّة أم حقيقة علمية ؟
قال لي: المنهج التجريبي والعلمي الحديث لم يتوصل إلى إثبات وجود الله!
فقلت له : إذاً على حسب كلامك ، وجود الله لم يرتقِ إلى مستوى النظرية العلمية
فهو فرضية؟!
قال : نعم
فقلت له : المنهجُ العلمي التجريبي الغربي هو منهجٌ ماديّ لا يؤمن إلا بدليلين فقط ،أذكرهما .
فقال : "المنهج العلمي الحديث لا يؤمن إلا بما هو محسوس أو ما دلت عليه التجربة
فالمحسوس أقوى دلالة كعلمنا أن الشمس موجودة من حاسة النظر، وأن البحر مالح من حاسة الذوق، وأن النار محرقة من حاسة اللمس، وأن رائحة الورد معبقة من حاسة الشم، وأن للرعود صوتا من حاسة السمع.
أما التجربة العلمية مثل إثبات دواء لأي مرض فنخضعه لتجارب عديدة حتى نتيقن من نجاعتِه.
والعلم التجريبي لا يؤمن بدليل آخر بل لا يعتبره دليلا أصلا."
فقلت له :ماهو الدليل على حصر الدليل في الحسي والتجريبي ؟!
علماً أن الدليلَ الذي سوف تستدلُّ به يجِبُ أن يكونَ دليلا حسيا أو تجريبيا...!
ففكر مليا وشفتاه تُتمتِمان
و نظرات الحيرة لا يكاد يخفيها
فأرعدَ وأزبد ونظر وفكّر
ثم قال: ليس هناك دليل على هذا الحصر....
فقلت له : إذاً القولُ بأن الحقائقَ العلميةَ لا ترتقي إلا بالدليل الحسي أو التجريبي هو قول ليس له دليل!
فكيف تؤمن به إذا ؟!
قال لي : وضح لي أكثر...
فقلت له:
ما اسمُ جدك العشرين؟
قال لي: لا أدري ، أنا لا أحفظُ الخامسَ ، فكيف لي أن أعرف اسم جدي العشرين!
فقلت له : لكن تعتقدُ أنهُ موجُود
ولكن لا تعرف اسمَه؟
قال بعد هُنيهَة : نعم
فقلت: كيف استدللت على وُجُوده؟
هل هو الدليل الحسي ؟!
لا أظن ذلك فإن حواسَّك كُلها ولو اجتَمعَت لا تَقوَى على ذلك!
وهل هو الدليل التجريبي؟!
فهو من باب أولى، لأن التجربةَ تخضع لما هو محسوس أصلا..!
أليس كذلك ؟
فما هو الدليلُ الذي أثبَتَّ وجودَ هذا الجَد من دون دليلٍ علمي تجريبي وحسّي ؟!
فكر قليلا ثم قال: أجب أنت.
فقلت: هو الدليل العقلي الذي يتجاهله كل علماء الطبيعة والفلاسفة وعلماء المنهج التجريبي المادي...
اسمع مني أيها الفيلسوف :
إن الأدلة أربعة أنواع أرتبها على حسب قوتها تصاعديا.
الأول : الدليل التجريبي كإثبات دواء لمرض ما وذلك باخضاعه لتجارب عديدة على فئات من الحيوان ثم الإنسان.
الثاني: الدليل الحسي كإثبات وجود الماء من لمسه و تذوقه.
الثالث :هو الدليل الخبري أو النقلي فيحصل العلم ضرورة من تناقل الخبر الواحد من مجموعة من الناس يستحيل تواطؤهم على الكذب ، كتناقل الناس أن مكة المكرمة موجودة مثلا
الرابع: الدليل العقلي وهو الضرورات الفطرية المغروزة في مكنون الإنسان منذ ولادته وإلغاؤها هو إلغاء للعقل.
كنظرية السببية فلا بد للسبب من وجود مسبب له فلا يعقل وجود قتيل مقطع الأطراف بلا وجود قاتل له.
وغيرها كثير.....
فوجود الله لا يثبت بالدليل التجريبي أو الحسي لأنهما دليلان قاصران على عالم المشاهدة والله سبحانه وتعالى غيب ، والإيمان بالغيب يستدل عليه بالدليل العقلي والدليل الخبري
فلا بد للحادث من محدث ولا بد للمخلوق من خالق وإلا نلغي العقل وننسفه.
قال سبحانه وتعالى مخاطبا عقولنا " أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السمواتِ والأرضَ بل لا يُوقنون"
هل فهمت هذا ؟
قال لي :
انتهت الحلقة الثانية
تليها الحلقة الثالثة بإذن الله.
علي بوجرمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق