السبت، 20 مارس 2021

صالح سعيد

 غَدْرٌ.                     


وَأَنَا أَمُرُّ بِالحَيَاةِ سَمِعْتُهَا تَتَأَفَّفُ مِنْ غَدْرِهِ لِتِرْبِهَا.

فَوَقَفْتُ أُنْصِتُ لِلتَّمَلِّي بِرَأْيِهَا.

قَالَتْ: 

"حَقِيرٌ جَالَ فِي حَدِيقَتِي وَتَمَدَّدَ فِي ظِلِّهَا وَتَرَدَّدَ لِقَطْفِهَا.

وَمَدِنَتِي،كَانَ فِيهَا رَائِدًا، وَلَجَ سَمَاءَهَا وَرِمَالَهَا لِهَصْرِهَا.

وَشَرَائِعِي، لَجَّ فِيهَا عَابِثًا. وَطَأَ زَمَانَهَا وَمَكَانَهَا لِكَسْرِهَا. 

وَبَصِيرَتِي شَقَّهَا بِتَوَدُّدِي. وَرَدَ مِيَاهَهَا وَسَنَاءَهَا لِرَشْفِهَا.

وَعَشِيرَتِي هَدَّهَا بِمَعَاوِلِي. كَسَرَ سُيُوفَهَا وَخُيُولَهَا لِهَتْكِهَا.

وَبَكَت أحَرَّ بُكَاءٍ:

"مَا كُنْتٌ أَحْسَبُ حُبََهُ يَذْوِي كَرِيحِ الوَرْدَة.

فَتَّتَنِي بغَدْرِهِ.....ذَوَّبَنِي كَالزُّبْدَةِ.

أَصْبَحْتُ رُوحًا بَائِدَة مَرْمِيَّةً كَالخُرْدَةِ..

غَاصَ بُحُورِي غَانِمًا كُلَّ العَقِيقِ الأَصْفَرِ...

تَاهَ بِعَيْنِي سَالِبًا كُلَّ سَنَاهَا الأَشْقَرِ..

حَلَّ بِخَدِّي قَاطِفٍا نَبْضَ الرَّحِيقِ الأَحْمَرِ..

سَالَ بِخَمْرِي مَاجِنًا وسَقَيْتُهُ بِالكَوْثَرِ..

حَطَّ بِصَدْرِي رَاكِضًا فَوْقَ الهِضَابِ الأَرْفَعِ..

ثُمَّ انْثَنَى يَغْتَالُنِي مِثْلَ العَدُوِّ الأَوْكَعِ..  

أَقْوَالُهُمْ تَغْتَالُنِي فِي دَرْبِ كُلِّ شُرْفَة..

كُلُّ الذُّكُورِ الشَّارِدَة تَجْتَاحُنِي فِي لَهْفَةٍ.." 


التِّرْبُ كَانَتْ غَائِمَة...

أَصْغَتْ إِلَيْهَا عَاتِبَة والعَيْنُ مِنْهَا دَامِعَة.

لَكِنَّهَا فِي سِرّهَا كَانَتْ جَمُوحًا طَامِعَة.

عَبَثَ الزّمَانُ بِوَهْجِها فَتَآكَلَتْ أَعْطَافُهَا،

قَصَفَ الرّجَاءُ وِصَالَهَا فَتًيَبَّسَتْ أَرْحَامُهَا.

وَلِوَعْكَةٍ فِي قَلْبِهَا زَفَّتْ وُضُوحًا مَا لَهَا

فِي سِرّهَا مِنْ غَيْرَةٍ تَهْوِي بِعَرْشٍ يَا لَهَا!! 


قَالَتْ:

عَظِيمٌ كَسَرَ حِبَالَ الطَّوْقِ وَتَخَلَّصَ مِنْ شَرِّكِ وتَفَلَّتَ مِنْ أَسْرِكِ،

يَكْفِيكِ مَا عِشْتِ السِّنِين بِظِلّهِ، وَأَنَا أَمُوتُ دُونَ ذِكْرٍ عِنْدَكِ،

وَهِضَابُكِ ذَهَبَ الرّبِيعُ بِمَائِهَا، وَتَيَبَّسَتْ مِنْكِ الزُّهُورُ، فَحَطَّكِ،

هَلْ أَنْتِ أَصْفَى مِنْ غَدِيرِ خَمَائِلِي؟ 

هَلْ فِيكِ مَا يُشْفِي الفُؤَادَ لِحُبِّكِ؟ 

ذَهَبَ الزَّمَانُ بِدَوْرِكِ وَبِوَصْلِكِ. وَاليَوْمَ عِنْدِي كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكِ.. 


فَعَجِبْتُ مِنْ صَحْبِ الزَّمَانِ البَائِسِ.

وَطَرِبْتُ لِلدَّرْسِ الحَكِيمِ العَابِسِ.. 


صالح سعيد / تونس الخضراء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لاتطيلي في الغياب بقلم عمر طه إسماعيل

 في أحدى المشاهد لمسلسل درامي التقت حبيبها بعد فراق سنين فاراد ان يوصلها الى منزله فقالت له شغل نظام الملاحة.. فأجابها.. ذاهب الى منزلك فهل ...