قصة قصيرة \ (سوكونوسكو)
" هو أشطر من قرأ الكف" ، هكذا قالوا عنه.
"وباستطاعته معرفة مستقبل أي إنسان من خلال النظر إلى خطوط يده وتعرّجاتها ". هكذا ادّعوا أيضاً.
"هذا الرجل ساحر" ، قالتها أختي.
"نعم. ويفك طلاسم القدر" ، أجابتها جارتي.
" أكيد. ودوماً يصيب ولا يخيب" ، وافق صاحب محطة البنزين.
"أليس هو الذي كان قد تنبأ سابقاً برسالة إلكترونية مفرحة ستصل لبريد أحد زبائنه ، ووصلت؟" ، حدّثني بائع الجرائد في بيروت.
" وأليس هو الذي توقّع إصابة أحد نواب الوطن ، البدينين جداً ، بالسكّري ، وأصيب؟" ، أخبرني موظف في محلات الحلّاب في طرابلس.
" وأليس هو الذي توقع ، منذ خمسة سنوات ، بزلزال سيضرب سنغافورة قريباً ، وفعلاً حصل الزلزال منذ اسبوعين؟" ، أفشى لي زميلي القديم في المدرسة حسين الصالومي ، المقيم في نيو جيرسي.
ولمّا علقت : " قريبا تأخذ خمسة سنوات؟ ".
أجابني حسين الصالومي مستهزئاً بجهلي:
" كم أنت غبي. كلمة "قريباً " يا صديقي ، في علمِ التنجيم والفلك والأكف ، إذا كنتَ لا تعرف ، قد تمتد لغاية الثلاثين أو الأربعين أو المئة عاماً. فالزمن الأرضي غير الزمن الفلكي".
" آه" ، أومأت برأسي موافقاً.
ألزلزالُ في سنغافورة. وكيف أنسى ذاك اليوم؟
يوم أذاعوا في الفضائيات خبر حدوثه.
7.6 على مقياس ريختر، إذا كنتُ أذكر.
وكانت هذه أول مرة أسمع فيها عن نادر .
وأذكر أن الكل كان متسمراً أمام الشاعة ، مندهشاً
يقول :
" لقد فعلتها مجدداً يا نادر الشكوكو".
فاعتقدت خطأَ أن نادر الشكوكو هو الذي تسبّب بالزلزال.
لكن صديقي زيكار صحح ظني : " آهٍ. كم أنت غبي. نادر الشكوكو هو الذي تنبأ بحدوث الزلزال".
نعم . تنبأ بحدوث زلزالٍ في البلد القابع فوق صفائح وفيالق صخرية ورملية.
عجيب! أليس كذلك؟!
أتريدونني أن أقول لكم بعد؟
العملة الوطنية.
تصوّروا. تنبأ نادر بأن العملة الوطنية ستهبط.
ولأن كلمته مسموعة بين أوساط الناس ، ازداد ،
في اليوم التالي ، الطلب على العملة الأجنبية ، وبناء على قانون العرض والطلب ، هبطت العملة المحلية.
هذه عرفتها لاحقاً.
وأنا. أنا الذي تشجّعتُ ، مثل صديقي زيكار، لزيارة العالِم بأمر الكف هذا ، رأيتني أقود سيارتي متجها إلى مسكنه القابع في الطرف الغربي من المدينة.
وعلى إيقاع زمامير الزحمة ونبضات قلوبنا وصلنا.
انتصبت قشعريرتي أمام البناية.
هو يقطن الطابق الثالث.
أمام المدخل لافتة مرسوم عليها يد. وفوق اليد سهمٌ يشير إلى الأعلى.
صعد لهاثُنا الأدراج.
وما إن وصلنا لـِ "ثالث سماء" ، حتى أشارت لنا "السكرتيرة" ، ذات الثياب السوداء ، والتي تشبه المشعوذات ، بالجلوس.
جلسنا.
قطة في الغرفة أخذت تمسّد رأسها بحذائي.
همستُ بإذن صديقي : " أيعقل أن تكون هذه الهرة هي نادر الشكوكو؟ " .
ابتسم صديقي وهمس بإذني : " كم أنت غبيٌ" .
رمقتنا المشعوذة عابسةً. ممنوع الكلام.
وبعد خمسة دقائق أرضية ، أو فلكية – لا أعرف - أومأت لي بالدخول.
دفعتُ لها مبلغ مئة دولار بدل "إستشارة قدريّة ".
و بعد أن حصل هذا ، صار الكلام مسموحاً.
ودّعتُ صديقي على أمل اللقاء قريباً ، ودخلتُ إلى مكتب العالِم بأمر الكف.
طاولة خشبية مدوّرة تتوسط الغرفة.
الطاولة الخشبية أمرٌ عاديٌ ، لكن رأس الغوريلا فوق الطاولة لم يكن عادياً بتاتاً.
أرعبني لدرجة أنني حاولت الفرار.
لكن حين أطل رأس نادر من وراء البخور ، رأيت نفسي ، ومن دون وعيٍ ، أختبىء وراء رأس الغوريلا مذعوراً.
نعم. هو مخيفٌ أكثر صدقوني.
سوالفه أعرض من جسده.
شواربه ، مِن طولها المديد، يبدوان كجناحان.
لا بد أنه سيطير وينقض قريباً عليّ.
فوق عينه اليمنى قطعة قماش.
يعتمر قبّعة تشبه قبّعة "رعاة البقر" ، فخشيت أن يكون في جيناتي أي صلة قرابة مع الهنود الحمر.
رمقني بنظرة ثاقبة. تنهّد. ثم همهم :
" بأكس-كا- وَأليك ".
" نعم؟" ، لم أفهم شيئاً.
" بيكس آه بيل ".
الحالة ذاتها.
ابتسم قليلاً ، فتفسّتُ الصعداء.
قال لي : " كيف حالك؟".
" الحمدلله".
أشار إلي لأمد له كفّي.
مددته.
تفحّص بنظرات ثاقبة كأنه يقرأ ويحلّل.
ثم قال : " بيكس آه كعبا؟"
عيل صبري ، فقلت له : " بالله عليك ما هذا الهراء الذي تتكلمه؟"
أُعود وأُسكِتُ نفسي . لا أعرف من أين أتتني الجرأة لأقول هذا.
أجابني بأعصاب جليدية : " هذه لغة حضارة المايا. أنا كنتُ هناك في العصور القديمة".
قلتُ : " أنتَ؟ كنتُ هناك؟ في حضارة المايا؟" .
أومأ برأسه مؤكداً. سقطتْ قبعته على الأرض.
أشعره هذا أم كبش قرنفل؟
لممتُ القبعة ، وناولته إياها.
" وكم عمرك الآن؟" ، سألته.
" الزمن هو مجرد وهم ، حتى لو كان هذا الوهم متكرراً" ، قال لي.
" لمن هذا القول؟ أهو لك؟ " ، سألته.
" هو لسوكونوسكو".
أحببتُ أن أقول له : " لا. هو لأينشتاين".
لكني ، وباللحظة الأخيرة ، عدلتُ عن ذلك.
والسبب؟ كان طبعاً سيجيبني :
" أينشتاين هو سوكونوسكو في حضارة المايا".
أراه يرفع القطعة الماشية عن عينه قليلاً.
أحدّق في المكان تحت القماشة.
يا إلهي! ...لا توجد عين.
أسأله : " أأنت بعينٍ واحدة؟".
يجيبني : " لا تلزمني العيون. أنا أرى بالعين الثالثة".
أعاد القماشة إلى مكانها على وجهه ، وجلس خلف مكتبه .
راح يكتب شيئاً على ورقة.
أسأله : " وماذا تكتب؟".
قال : " لستُ أنا الذي أكتب ".
" ومن يكتب إذن؟" سألتُ ، " سوكونوسكو؟".
ما إن سمع هذا حتى انتصب واقفاً بسرعة البرق أمامي.
وبسرعةِ الخوف قفزت أنا إلى الوراء.
" ماذا حصل؟" ، قلت له مذعوراً.
" كيف عرفت أنه سوكونوسكو ؟ أمنجّم أنت ؟ "، قال لي.
استفزني سؤاله : " وكيف تدّعي أنك تعرف في أمر الغيبِ وقراءة الكف ، ولا تعرف من أنا وما أعرف؟".
يحاول تغيير الموضوع :
" ماذا تريد أن تأكل؟ أأطلب لك شيئاً ".
" لا شكراً. لقد أكلتُ وانتهى".
" ماذا أكلت؟".
" الضربْ" .
" ماذا؟"
أدير ظهري وأهم بالخروج من المكتب.
وما إن صرت بمحاذاة الباب حتى لفتت نظري أرفف عليها كتب.
كتابٌ عنوانه "تاريخ حضارة المايا" شدّ انتباهي.
فتحت الكتاب لألقي نظرة سريعة عليه ، وإذ بي أجد كلمة سكونوسكو ، وتحتها خطان.
قرأتُ ما قبلها من كلمات : " أولى مستوطنات المايا
نشأت حوالي 1800 ق.م. في منطقة سوكونوسكو".
وما كدتُ أقول : " فعلاً. أكلتُ الضربْ" ، حتى انقض عليّ منتزعا الكتاب من يدي.
صفعته ، من دون تفكير ، على خدّه الأيمن.
صاح بوجهي : " وتصفعني؟ ماذا أتعتقدني؟ لصا؟"
" برافووو! الآنَ صرتَ عالماً بأمر الكف" ، أقول هذا ، وأخرج من الغرفة صافعاً الباب ورائي.
صديقي ما زال ينتظرني.
الحمدلله لم تلتهمه المشعوذة بعد.
أمرته أن يتبعني فوراً إلى الخارج.
تبعتني المشعوذة : " مهلاً مهلاً. يترتب عليك دفع مائتي دولار كزيارة أولى ".
" قولي لسوكوسونكو. هو سيدفعها عني".
أجابتني محتجة : "لا. بل أنت ستدفعها الآن ، وإلا اتصلت باللواء منيف الكستنائي في الأمن الداخلي،
أو سامر النشاشيبي في مديرية المخابرات. وإذا أصررت أن لا تدفع ، سأشوّه إسمك في كل الفضائيات".
ولما سألتها : " وما علاقة المنجمين بالأمن الداخلي
والفضائيات؟"، رمقتني الهرة بنظرةٍ ساخرة وراحت تقهقه:
" فعلاً أنت غبي!".
( بقلم ربيع دهام)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق