الجمعة، 20 نوفمبر 2020

خاطرة بقلم #احلام طه حسين

 في دار المسنين

 كانت رحلتي قبل يومين. لا أعرف لكن استيقظت صباحا وفي داخلي رغبة شديدة للدفء والحنين الى تلك القلوب المتعبة.

 حزمت أغراضي ودفاتري وأقلامي وبعض القصص القصيرة.  في طريقي الى الدار، طلبت من سائق سيارة الأجرة ان يقف أمام أحد محلات البقالة. .....اشتريت بعض الفواكه الطرية والسهلة التناول وبعض الحلويات من سوبر مركت قريب.  .....ورجعت الى السيارة وأنا في قمة فرحني كأني سوف ادخل في عجلة الانتقال عبر الزمن. .....كنت أخرج يدي من نافذة السيارة وأحس بلمسات الهواء كأنها روح في داخلي تريد أن تسابق الوقت والمسافة وتصل بسرعة وتحتضن كل من تصادفه من كبار السن.  .......وأخيرا وصلت. واستقبلني الحارس وبعض الموظفات. .....دخلت بصفة طالبة تقوم ببحث ولكني في الحقيقة  باحثة عن روح انسان صادقة ونقيّة. ...... بدأت أجول وفي يدي سلة الحلويات. ......رأيت امرأة مسنة تضع على رأسها وردة أقحوان جميلة. اقتربت منها وقبّلت يدها. كانت تجاعيد الوجه واليدين خارطة العمر الحيّة.  احتضنتني بحنان وكانها اعطتني روح  اوكسجين ثانية غير الذي استنشقه!  خفيف وصافي.

قلت لها:

"- ماجمالك! .......ضحكت بصوتٍ عالٍ  علت حمرة الخجل وجنتيها المتجعدة.  وقالت:

" - اعرف. أني جميلة.  وإلا لما وقع في حبي ألاف الشباب وعشقني ذلك النجم ومطرب الغناء...

 سالتها:" لم تضعي وردة؟  اخبروني انك تحبين الزهور.  .....

قالت "- تلك الزهرة لأجل حبيبي الغيور،  سوف يأتي اليوم او غدأ او بعد غد. هو دائما مشغول...... 

اجبتها: " كم هو محظوظ بك يا جميلة! " ثم طلبت منها ان تختار من السلة ماتريد. .....فأختارت لها ولحبيبها. .....تركتها وأكملت جولتي. ...... رأيت رجل يكتب ويمزق الاوراق.  بدأت بلمّ الاوراق وجلست بالقرب منه وسلمت عليه ورد علي السلام ولكن قال لي: "- كيف حالك يا فاطمة يا نبض قلبي؟ .....لم أتجرأ بإخباره بأنني لست هي . سالته: 

"- لم تكتب وتمزق الرسالة ياجدي؟ ....قال: 

"-  كم مرة علي ان اخبرك؟ هذا خطاب  لصديقي يريد ان أرسله  لحبيبته لكن سأضع اسمه عليه لانه لا يعرف الكتابه ......حاولت ان أساعده لكن قال لي:

"-  لا تعرفين كيف يشعر!  انا وحدي أعرف احساس صديقي.  ......أعطيته سلة وطلبت منه  أن يختار. ..... واختار أظن له ولصديقه الوحيد .......تركته وكملت مشواري. ورأيت امرأة تحيك الصوف وتصنع البلوزات والكفوف وكبوس ثم ترجع وتعيد الحياكة مرة اخرى.   سالتها:"- كيف حالك ياجدتي؟. ....صرخت بي وقالت:

 "- لست جدة!  أنا مازلت صغيرة وتزوجت وسوف أرزق بطفل جميل. وانا أحيك له جهازه ......ابتسمت وقلت: 

"- الف مبروك ستكونين اماً رائعة ..... تجولت وتجولت وانتهى النهار بسرعة. 

 لكن سوف أخبركم أمراً .......تلك العجوز التي تضع وردة لم تكن متزوجة.  كانت تحب شاب وأفنت حياتها وهي تنتظره. لكن لم يخبرها أحد انه غرق في البحر ولم يجدوا جثته. ......

وذلك الذي يمزق الأوراق رفض ان يكتب لصديقه رسالة وحزن صديقه حزناً شديداً. فحيبته كانت تنتظر منه رسالة قبل ان. تقبل العريس الذي تقدم لها.  .....لكن لم تصل لها الرسالة وظنت انه لا يحبها فتزوجت.  وهو تعمّد ان يركض في حقل الغام وانفجر فيه اللغم وانتحر. رغم صراخ صديقه وطلب المغفرة لكنه عاقبه بتلك الطريقة فابقى ذنب رفضه كتابه الرسالة عالق في ذاكرته. ..........وتلك التي تصنع المعاطف من الصوف كانت عاقر لم ترزق بأولاد. .....طلقها زوجها وبقيت في منزل أهلها الى أن ماتوا.  وهي كبرت بالعمر وأصيبت بالالزهايمر.  ..........الالزهايمر انساها كل شي في حياتها،  لكنه لم ينسها لحظات الوجع وصدمة بقيت عالقة في ذهنها.

   خرجت من دار المسنين وأنا احمل آلاف الحكايات.. جئت أبحث عن الدفء  والحنان الصادق فوجدتهم هم بحاجة له.   أنا لم اخبركم عن كل مارأيت.  فهناك قصص كثيرة  ولكل شخص هناك قصة حتى قطة وكلب حارس عرفت عنهم قصص.   ربما ننسى ونتناسى لكن في ذاكرتنا الصماء هناك

خزانة لا يعرف عنها احد،  تفتح عندما نشعر ان العالم لم يعد يسعنا. ننسى العالم ونتذكر من توجعنا بسببهم او كنا سبب وجعهم.   

دار مسنين....كان عليهم أن يسمونه دار حكايات السنوات الغابرة.

#احلام طه حسين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حكاية حب بقلم رنا عبدالله

 حكاية حب ​أراكَ بقلبي جَميعَ الأُمَمْ ونوراً يُزيحُ لَيالي الظُّلَمْ ​أتيتَ إليَّ كغيثِ السَّحابِ لتُحيي عجافي بِبوحِ الكَلِمْ ​حكايةُ حُب...