الجبل البعيد
الحلقة 12
مضت ثلاثة أيام العزاء والناس تدخل وتخرج وتأخذ بالخاطر، وفي الظهيرة كان الأقارب يحضرون طعام للمحزونين، يمدون الموائد الدسمة، وكانوا يشدون أم كمال لتتناول ولو لقمة طعام واحدة... أبو نينا أحب طعام بلدنا وكان يأكل بشهية شديدة، ذلك سبب له وجع بطن مما استوجب مراجعة طبيب القرية الذي قال: مجرد عسر هضم، اليوم تصوم وغداَ ستصبح بخير...
قال أبو نينا لم أر ببلادي كرماً مثل هذا الكرم، ولا طعاماً أطيب من هذا الطعام. معها حق نينا كانت تحب طعامكم اللذيذ وخاصة حلويات أم كمال المطبوخة من حليب بقرتها المدللة...
وتابع أبو نينا: يجب أن أعود إلى طلابي، تعرفون أنا مدرس تاريخ، و ضمن المنهاج أدرسهم أثار الشرق الأوسط، وهذه السنوات نركز على مكتشفات إيبلا الجديدة وعن الرقم الطينية التي اوجدوها هناك، مكتبة ضمت عشرين ألف رقم تحكي قصة حضارة ضخمة كانت تعيش فيها مملكة أيبلا 3000 سنة قبل الميلاد وعلاقات تلك الدولة مع بلاد الرافدين ومع الدولة الفرعونية مصر.
إبلا من موقعها الجغرافي في شمال سورية استفادت كانت تمر فيها الطرق التجارية القادمة من الأناضول الشمال، إلى مصر في الجنوب، ومن إيران في في الشرق، إلى سواحل المتوسط في الغرب، فغدت مملكة غنية قوية ومزدهرة..
وأضاف أبو كمال أحب أن أزور ذلك الموقع قبل عودتي إلى الدانمارك، الحقيقة لم أعد أستطع المكوث هنا مدة أطول.
ثم قال أنت يا كمال يمكنك البقاء مع والدتك إلى حين، لأنه من الصعب تركها وحيدة بمثل هذه الأوضاع الصعبة.
ولو إنني أفضل أن نأخذها معنا لتعيش معنا في الدانمارك، وأنا أود أن ادعو سعاد لتمضية شهر من الزمن عندنا.
استغرب كمال كلام أبو نينا عن دعوة سعاد إلى الدانمارك. لكنه التزم بالصمت منتظرا أبو نينا أن يوضح له سر هذه الدعوة...
كمال بالفعل اقتنع بذهاب أمه معه إلى الدانمارك أفضل بكثير من بقائها بمفردها هنا، علماً بأنه كان يدرك تماماً بأن نينا لا تمانع الحضور إلى سورية، لكن أيضاً كان يدرك بان حياة أبنته سوريا في الدانمارك أفضل لها...
وخاصة بدأت تلوح في الأفق معالم حرب تحضر لها دول استعمارية بغية نهب بترول سورية بعد أن أظهرت الدراسات بأن البترول والغاز متوفران في بلدنا.
والمستعمرون قالوا بصراحة بلهاء، نحن قادمون ونحمل معنا الحضارة إلى البلاد العربية، التي نحبها وسوف نساعدها، حاملين معنا مشروعنا الجديد خريطة طريق الربيع العربي، وقالوا البلاد العربية سوف تعيش الربيع من جديد وتتمتع في أزهاره الفواحة. شعب سورية سيستعيد أمجاده التاريخية العظيمة...ونحن نحمل له معنا أغصان الزيتون وتسبقنا حمامات السلام لهذا البلد المختار...
وبالفعل جاءت جنود المرتزقة إلى العراق وسورية وبدأت بذبح الناس وتشريد أهل البلاد من بلادهم، تحت شعار الربيع العربي...
أم كمال رفضت بشدة ترك بيتها والسفر إلى الدانمارك، لكن تحت الحاح أبنها الشديد والمغريات في العيش إلى جواره، لم ترى بداً من الذهاب معه، كانت الدموع تملأ مقلتيها، وتتساءل كيف ستترك بلدها وبيتها، وجميع ذكريات حياتها بحلاوتها ومرارتها في هذه الدار، وتذهب إلى بلاد غريبة لا تعرف فيها أحد، وتسكن عند أهل نينا مأسورة وهم سيكونون مأسورين بوجودها...
لكن كمال قال ولا يهمك أمي، سوف نستأجر داراً لنا وسوف نكون جميعنا معاً أنا وأنت ونينا وسوريا...
أم كمال كانت تدور في المنزل كيف ستترك هذه الدار التي لا يزال أبو كمال موجوداً في كل ركن من أركانها، هنا كان يجلس أبو كمال، وهنا كان يدخن نارجيلته، وهنا كان يقرأ في الكتاب المقدس، وهنا، وهنا، وفي كل زاوية من زوايا البيت، لا يزال أبو كمال حي تشاهده في كل لحظة من لحظات نهارها وليلها، وهي ولا تزال تسمع صوته يناديها يا أم كمال، أنا جعت أين الطعام؟ وهي تركض إلى المطبخ وتترجى النار أن تسرع حتى يستوي الأكل...
ومشكلتها الثانية صديقتها البقرة، من سيأخذ بقرتها حبيبتها، ومن سيقدم لها العلف ويطعمها التفاح كما هي تفعل.
كانت تجهش بالبكاء وتنادي، يا أبو كمال أرجوك خذني إلى جوارك...
طار صواب أبو نينا من الذي شاهده في تل مرديخ في محافظة ادلب في موقع ايبلا القريب من حلب.
وقال لا تزال هذه الرقم تنطق بالحضارة، ولا تزال الحضارة القديمة حية تسكن في هذا الموقع...
وهذه الرقم وثائق ممهورة بختم التاريخ ومدونة على جدار الزمن الذي لن يغيب...
جاءت مناسبة، سأل كمال أبو نينا، لماذا دعوت سعاد إلى الدانمارك؟
قال أبو نينا: سؤال ذكي، لا أريد أن تكون والدتك وحيدة اثناء وجودك أنت في جامعتك. وهي لا تعرب حتى كلمة تحكيها، سعاد سوف تخفف عنها وحدتها ريثما تتعود أمك على العيش معنا وتتعود على التسليم إلى قضاء الله.
من ناحية ثانية سعاد سوف تشهد العلاقة الزوجية المتينة التي تربطك مع نينا وسوف تعود إلى سورية مقتنعة بأن علاقات الحب المبنية على أسس سليمة تعيش إلى الأبد، ولا اريد لسعاد أن تعيش مع فادي زوجها وقلبها مشغول مع غيره، ستتحطم حياتها إلى الأبد وربما سوف تحطم حياتك أنت. لكن عندما ترى الحب الذي يربطكما أنت ونينا سوف تتمنى أن تعيش مثله في بيتها، لا أن تخرب بيتها بذكريات تتقادم ومسيرها إلى التلاشي...
كاتب القصة: عبده داود
إلى اللقاء بالحلقة 13
الحلقات السابقة: تجدونها في "مجموعة رواياتي"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق