قلوب جريحة
الحلقة 3
ارتأت أم فاديا أن تسجل أبنتها في روضة أطفال، حتى تهيؤها للمرحلة الابتدائية في السنة القادمة.
كان من الطبيعي أن تبحث عن أرقى مدرسة في المنطقة، وأخيراً تم اختيار إحدى المدارس التابعة للراهبات.
اهتمت الراهبات جداً برغبة أم فاديا بتسجيل ابنتها عندهم، والحقيقة افرحهن الأمر لسبب آخر وهو محاولة اقناع أم فاديا بالعودة للتعليم في مدرستهن، لأنهن يعتبرن أم فاديا مكسب تعليمي ممتاز، وقد عرفنها عندما كانت تعلم في مدرستهن قبل أن تتزوج، حينها احبها التلامذة جماً، وحتى أهالي التلامذة...
قالت الراهبات ستكونين مع ابنتك دائماً، والعمل سوف ينهي الفراغ الذي تعيشينه في المنزل، كما تقولين، زوجك يعمل طويلا وعمله يمتص أغلب أوقاته...العمل يعيدك للحياة... العمل هو مقدس هو صلاة.
أخيراً اقتنعت أم فاديا بقبول الوظيفة، لكن بشرط أن تكون هي معلمة الصف الذي تكون فيه أبنتها وتنتقل معها ومع صفها، من الروضة، إلى الصف الأول ثم الصف الثاني الابتدائي، وهكذا إلى أن تنهي ابنتها المرحلة الابتدائية.
اشترت أم فاديا سيارة جديدة فاخرة بالتقسيط بضمانة الراهبات، لأن أبو فاديا لم يعد يستغني عن سيارته صار يتنقل في كل أنحاء البلاد يزور التجار في كل لبنان، وأصبح واحد من التجار الكبار المعروفين.
بدأت المدرسة، وبدت الأمور حسنة بالبداية، لكن الذي لم يخطر بالبال، فاديا ترفض الذهاب إلى الروضة، إذا لم يذهب معها فادي. وكانت تعيسة لا تتأقلم مع الأطفال...
وبسبب بكاء فاديا كل صباح وهي تترجى أمها أن يذهب معهما فادي للروضة. كانت أمها تأخذها عنوة، لكن فاديا كانت تلازم أمها في الروضة وهي باكية تريد العودة للمنزل، رغم ان فادي ليس في المنزل لأن والده سجله في روضة أطفال حكومية شبه المجانية.
بكاء فاديا كان هو السبب الذي يجعل جراح قلب أمها ينزف من جديد، لأنها صحياً غير قادرة على الانجاب مرة ثانية، وكانت تتمنى إنجاب أخاً أو أختاً إلى فاديا. حتى لا تكون ابنتها وحيدة في هذا العالم المادي الصعب، لذلك رضيت الأم على مضض أن يكون فادي هو الرفيق المعوض عن الأخ الحقيقي لابنتها.
أخيرا لم يكن أمام أهل فاديا سوى تسجيل فادي في مدرسة فاديا، ودفعوا له قسطا مدرسياً عاليا بالفعل.
غير ذلك كان على أم فاديا شراء الألبسة المدرسية اللائقة لفادي إسوة بزملائه في المدرسة.
وهكذا صار فادي يذهب إلى مدرسة الراهبات مع فاديا...حينها وصلت سعادة الولدين إلى حدود السماء وهما يصعدان سوية إلى السيارة ويدخلان سوية إلى الصف ويتشاركان مقعداً واحداً...
فادي لا يسمح لأحد من الأولاد أو البنات أن يؤذي صديقته أو يأخذ من المأكولات الطيبة التي تحضرها في سلة طعامها لها وله...
في الصف الأول أم فاديا كانت تصر ألا يخرج تلامذة صفها من المدرسة قبل أن تتأكد بأن جميع التلامذة قد حفظوا وفهموا ما تعلموه خلال نهارهم المدرسي.
ومرت السنة الأولى ثم الثانية إلى نهاية المرحلة الابتدائية، والولدان كانا من التلامذة المجتهدين. والمتفاعلين...يشاركان في كافة النشاطات المدرسية المسرحية والرياضية والفنية والموسيقية وغيرها...
وفي نهاية المرحلة الابتدائية، كان تقييم التلميذين في مسيرة المرحلة الابتدائية جيد جداً.
توطدت علاقة ام فاديا مع الراهبات جميعاً، كما اكتسبت صداقات جديدة قوية مع أهالي تلاميذ صفها نتيجة حسن اهتمامها بأولادهم.
انتقل فادي وفاديا إلى المرحلة الإعدادية، وأصبح فادي أكثر اهتماما تجاه صديقته فاديا، لدرجة كان أحياناً يتعارك مع تلاميذ يزعجون صديقته لأي سبب ما...
صار هناك فروض مدرسية طويلة عليهم أن ينهوها في البيت...وهكذا كان فادي وفاديا معا في المدرسة وفي البيت سوية.
مرت السنوات، وصار الأولاد في المرحلة الثانوية
ذلك اليوم رفضت فاديا تناول وجبة الغذاء ودخلت إلى غرفتها، وأخذت تبكي
لحقت بها أمها واستغربت الأمر...
قالت فاديا بأنه ستموت لأنها تنزف بعض الدماء
ضحكت الأم بشدة وغمرت ابنتها وأخت تقبلها وقالت لها يا فرحتي لقد بدأت مرحلة المراهقة والنضوج...
أفهمت الأم ابنها عن حالت الفتيات وهذا امر صحي طبيعي.
بعدها أخبرت فاديا أمها عن فادي وقالت بأنها
تزاعلت معه لأنه قال لها بانه يحبها وأعطاها رسالة حب...وهذا يعني بأن فادي ولد قليل الأدب.
قالت الأم الحب أمر طبيعي، كل الشباب يحبون الفتيات، وكل الفتيات يحبون الفتيان. الحب مقدس ربنا باركه. لكن الذي لا يريده ربنا هو العلاقات الجسدية غير الشريفة بين الشباب والبنات.
ومن تلك اللحظة بدأت الأم تعامل ابنتها كصديقة وفاديا فتحت قلبها لامها وكانت تخبرها عن الصغائر والكبائر... والأم كانت تنصح ابنتها ما هو المسموح وما هو الممنوع بين الشباب والبنات، وهكذا عادت العلاقة بين فادي وفاديا تحت مراقبة ونصائح الأم.
المقتنعة بأن علاقة حب تكون تحت عيون المراقبة أفضل ألف مرة من أن تكون بعيدة عن الأنظار ولا يعرف الأهل ماذا يدور في البعيد.
وصارحت فاديا فادي، بانها هي تحبه ايضاً لكن بحسب شرع ربنا وقالت له الآن امامنا البكلوريا وفي الجامعة سنجعل قراراتنا بنفسنا. أما الآن ليس امامنا سوى الدراسة.
سنة البكلوريا استنفرت أم فاديا وأبوها يريدان لأبنتهما الحصول على علامات كثيرة تخولها الدخول فرعاً علمياً عالياً، وكانا يرغبان أن تدرس فاديا في كلية الطب. وأحضر أبو فاديا مدرسين للمنزل يساعدان البنت وحتى الشاب معها.
ذلك اليوم دخل أبو فاديا إلى غرفة ابنته أثناء تواجدها في المدرسة كي يبحث عن ورقة بيضاء يكتب طلبية من أحد التجار، وبالصدفة شاهد رسالة في درج الطاولة، قرأها وعرف بقصة الحب بين فادي وفاديا، وهنا طار الصواب، وضاع العقل، وزلزلت الارض، وتصاعدت البراكين وكادت الكتل الحارقة أن تحرق البيت بمن فيه...
كاتب القصة: عبده داود
إلى اللقاء بالحلقة 4
الذين يودون قراءة الحلقات السابقة يجدونها في مجموعة (مجموعة رواياتي).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق