قلوب جريحة
حلقة 2
سقطت فاديا من سلم التزحلق في حديقة المنزل، تألمت بشدة، وعجزت عن الوقوف، وأخذت تصرخ بشدة من وجعها، فادي كان بجانبها وأخذ يبكي معها لا يحرك ساكن. المربية حملت الطفلة وفشلت في اسكاتها، جاءت أم فادية راكضة وهي تتضرع إلى العذراء أن تحمي ابنتها.
نقلهم السائق جميعا إلى مستشفى بحنس المشهورة في بلدة بحر صاف القريبة من بكفيا... المعروف في المستشفى عدد غير قليل من الراهبات يقمن بخدمة المرضى فيها، كن صديقات أم فادية عندما كانت معلمة في مدارسهن في جبل لبنان.
وقرية بحر صاف هذه القرية الساحرة، أعتقد بأنها أخذت اسمها من كلمتين "بحر" و "صاف" لأن البحر يبدو من تلك القرية الجبلية العالية غاية في الجمال، وخاصة عندما يكون الطقس جميلاً، والسماء صافية زرقاء تعكس لونها السماوي الأزرق على مياه البحر، او ربما البحر هو الذي يعكس زرقته على السماء ويعطيها لونها الأزرق الملائكي، أنا لا أعرف تماما حول هذه المعادلة اللونية.
اجتمعت راهبات المستشفى يرحبن بأم فاديا التي كانت تعلم في مدارسهن، وكانت محبوبة جداً لأنها كانت تحب الأولاد محبة حقيقية، وطلابها يحبونها محبة واضحة، حتى التلاميذ الذين لم يكونوا يحبون المدرسة ولا التعلم صاروا يحبون المدرسة، ويحبون البقاء فيها، وبقيت معلمتهم تعلمهم، إلى أن جاء العريس وخطفها منهم، وتفرغت تماما لابنتها هذه الطفلة الرائعة.
لم تفلح المأكولات الطيبة التي قدمتها الراهبات إلى فاديا وهن يحاولن اسكاتها حتى يقمن بتصويرها شعاعياً.
قالت الصور الشعاعية بسلامة الطفلة لكن هناك بعض الرضوض، ستحتاج إلى بعض المسكنات، وراحة في البيت لبضعة أيام.
الطفلة استمرت في البكاء تطلب والدها،
أبو فاديا كان في بيروت في اجتماع مع أعضاء مجلس أدارة الشركة التي أسسها في لبنان لاستيراد ما يحتاجه البلد من الصين.
أم فاديا حتى تسكت صراخ ابنتها أرسلت السائق ليحضر أبو فاديا من بيروت.
أخبر السائق أبو فاديا ماذا حدث لأبنته، فوراً طلب الرجل من السائق إيقاف العربية على اليمين، لأنه كان محرماً على السائق أبو فادي قيادة السيارة بأسرع من أربعين أو خمسين كيلو مترا في الساعة كحد أقصى. قاد أبو فاديا السيارة القوية رباعية الدفع، بسرعة مجنونة، ودخل المنزل ملهوف يود أن يطمئن على ابنته.
كانت فاديا بالسرير تبكي وهي تأكل الشوكولا، قبلها ابوها بحنية، وطمأنته الأم عن سلامة ابنته، لكنه تفاجأ بوجود فادي الذي كان محرماً عليه دخول القصر، كان الولد جالساً على الموكيت يلعب بألعاب فاديا. قالت الأم: فاديا لم تسكت وهي تطلب فادي أن يأتي اليها، ولأول مرة يدخل فادي إلى غرفة فاديا الواسعة والمليئة بالألعاب المختلفة...وسرعان ما نسي خجله واندمج في اللعب بألعاب فاديا...
وفاديا نست وجعها نتيجة المسكن الذي تناولته وأخذت تلعب مع فادي بألعابها...
ليلاً، كانت فاديا لا ترضى أن تنام قبل أن يأتي والدها حتى تقبله، وتسحب أمها إلى غرفتها لتروي لها قصة من الأساطير الخيالية الأسطورية التي يحبها الأطفال...
تعود فادي أن يأتي لزيارة فاديا منذ الصباح الباكر، وطلبت أم فاديا من خدم القصر، أن يدخلوه إلى الحمام وينظفوه، قبل السماح له الدخول إلى غرفة فاديا التي تكون غالباً لا تزال نائمة...
واحيانا فاديا تستيقظ وتفاجأ الخدم بدخولها إلى الحمام ويغرق الولدان بالضحك رغم معارضة الخادمة التي تحمم فادي.
وبعض الأحيان كان الطفلان يستحمان معاً ويتراشقان بالماء...تحت احتجاج الخادمة التي يبللان لها ثيابها...
كانت أم فاديا تقول، حتى ندخل ملكوت السماوات يجب أن نعود أطفالاً، أفكارنا يجب أن تكون طاهرة، نقية، ونوايانا ملائكية مقدسة، كما هما فادي وفاديا... هما ملاكان لا يعرفان الخطيئة...
أبو فاديا مشغول كثيرا هذه الأيام، كان يزور التجار في السوق ويسألهم حاجتهم من الصين ويقول لهم قريباً السفينة التجارية ستبحر من ميناء شانغهاى إلى ميناء بيروت، وهي تحمل بضائع باسم شركتنا الأهلية للاستيراد والتصدير.
كان أسلوبه التجاري في التعامل راقياً ومشجعاً، يسأل التجار بأسلوب تجاري يغري التاجر بالقبول.
ويقول: سنخبر عملاءنا هناك ليرسلوا طلبكم مع بضائعنا، ولن نأخذ ثمنها الآن، قبل أن تدخل مستودعاتكم...وإذا لم تعجبكم سنسحبها إلى مستودعاتنا...دون أي تكاليف عليكم...
تحت هذه المغريات كان أبو فادي يبيع السوق ونال ثقة التجار بسرعة في لبنان...
عمل كبير يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، هكذا بدأ أبو فادي مع شركائه العمل في سوق لبنان، واختاره شركاؤه رئيساً للإدارة نظراً لأنه الممول الأكبر وله علاقات تجارية كبيرة مع دول مختلفة، اكتسبها عندما كان في أفريقيا.
عبدو داود
مؤلف القصة وكاتبها
إلى اللقاء في الحلقة 3
الحلقة السابقة تجدونها في (مجموعة رواياتي)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق