قلوب مجروحة
الحلقة رقم 6
ملأت الزهور البرية سهول صور وجبالها وأصبحت الطبيعة تنادي الناس حتى يستمتعوا برائحة الأرض التي وهبنا إياها رب السماء، خالق الدنيا، وصانع الحياة، وراسم الفضاء بلوحات رائعة من الوان أقواس قزح... وأشكال الغيوم فوق سطح البحر الله التي ترسم لوحات بألوان تفرح القلوب عاشقة المحبة والتأمل والجمال.
أبو فادي، زرع ورودا حول البيت، وسرعان ما نمت الورود، وبعضها تسلق الجدران، ورويدا، رويداُ عادت الحياة إلى ذاك البيت المهجور...
ايضاً وجد في مستودع البيت بعض الكراسي المكسرة. أصلحها ودهنها وجعلها صالحة للاستعمال ووضعها في حديقة البيت، ووضع امامها طاولة وثبت في منتصفها مظلة، ورتب مجلساً لطيفاً في الحديقة بجانب الزهور.
نمت الصداقة بين عائلة أبو فادي وبين جيرانهم بالقرب منهم في تلك القرية. نسيت اسمها.
جيرانهم عائلة صغيرة هم أبو سمير وزوجته، وولديهما وردة طالبة بكلوريا، وسمير طالب في الأول ثانوي.
بيت أبو سمير احبوا جيرانهم أبو فادي وعائلته، ويومياً كانوا يجلبون معهم القهوة والحلويات التي تجيد صنعها أم سمير، ويتسامرون في حديقة أبو فادي، أم فادي كانت تجيد صناعة المعجنات ودائما تحسب حصة خاصة إلى عائلة أم سمير. هذه العلاقات البسيطة تعمقت وأصبحت العائلتان صديقتين مسرورتين مع بعضهما البعض.
فادي ووردة لم يتعارفا بعد بسبب التحضير لفحص البكلوريا الذي بات على الأبواب. وفادي يدرس، ويدرس حتى يحصل علامات تخوله الدخول إلى كلية الطب. كي يصبح طبيباً، حينها سيتقدم ليطلب يد حبيبته فاديا. التي تعيش فترة صعبة في حياتها من فراق حبيبها ومن الضرر الذي فعله والدها لأهل فادي، هي أهملت دراستها قسرا عنها. لأن فادي لا يغيب عن فكرها ابداً...
اشتكى المعلمون لام فاديا بأن ابنتها أصبحت كثيرة الشرود، لا تصغي للدروس كالسابق، ولا تشارك زملائها في الإجابات التي يطرحها المعلمون، بينما كانت في السابق لا تخفض يدها طالبة الإذن لتجاوب ودائما تجاوب بالصواب. لكن هذه الفترة أختلف الأمر وحتى علاماتها الشهرية كانت منخفضة بخلاف الأشهر السابقة. والأيام تقترب من فحص البكلوريا.
كذلك استغربت الريسة مديرة مدرسة بعبدات مفردات علامات فاديا المتدني مما يدل على انحدار خطير في مستوى الطالبة.
طلبت المديرة المذكورة المعلمة أم فاديا واطلعتها على نتائج ابنتها، وسألتها عن السبب؟
قالت الأم للأسف هو والدها الذي سبب لها كل ذلك.
وباحت الأم بسر ابنتها التي صارت تتحاشى رؤية والدها وتنام باكرة أو تتظاهر بالنوم قبل قدومه إلى المنزل.
وفي الصباح تحاول ألا تراه. وتابعت الأم قائلة والسبب هو فادي الذي كان طالبا هنا في المدرسة وصار في مدارسكم في صور... هو حبيب ابنتي الذي حطم قلبه زوجي، كما حطم قلب ابنتي.
اتصلت مديرة بعبدا مع مديرة صور وسألتها عن فادي.
أجابت الثانية: يا حبذا لو كان كل التلاميذ مثل فادي، أخلاق عالية، جدي بالدراسة، ومن المتفوقين بين زملائه، وأعتقد بانه سيحصل علامات تؤهله دخول الكليات العلمية صعبة المنال.
بالمناسبة كيف حال فاديا؟
أجابت مديرة بعبدا: هذا يعني انك تعرفين قصة الحب التي كانت تربطهما وقد كانا مقررين الارتباط مدى الحياة، لكن الذي سببه أبو فادي بتصرفه السريع والغاضب، كان السبب الذي حطم قلب ابنته، وقلب حبيبها، وخسر سائقه الذي كان يخدمه بإخلاص ومحبة.
طلبت المديرة فادية: وقالت لها لن اعاتبك على تراجعك الدراسي، لأنني أعرف قصة حبك مع فادي من الطفولة حتى الساعة. وأنا أشعر بآلامك وجراح قلبك، آلام كهذه لن تندمل حتى يعود اللقاء بينك وبين حبيبك. وتعود المياه الطاهرة تروي عطشكما.
لكن يا فاديا، إذا تأخرت في الدراسة ولم تنجحي لن تكون لك فرصة لقاء مع حبيبك في الجامعة. وأنا أقول لك (البعيد عن العين بعيد عن القلب) إذا أردت أن تحافظي على حبيبك، يجب أن تنجحي بعلامات عالية كما يفعل هو، حتى يصبح هو قادراً عل تحقيق حلمكما وتكونان لبعض...
وفي حال فشلك في النجاح، يصبح الأمر أصعب. رغم حبكما الكبير الذي يربطكما.
خرجت فاديا من غرفة المديرة، فرحة وكأن الحياة عادت لها من جديد، لم تعد إلى الصف، لكنها ذهبت إلى ملعب كرة السلة، وأخذت تقذف الكرة وهي تحاول تسجيل الأهداف في السلة. وكانت تقول بذاتها سوف أجعل جميع الكرات تخترق شباك السلة...ولن أخذلك حبيبي.
عادت فاديا إلى المنزل ووضعت جميع كتبها أمامها، والتي لم تكن قد فتحتها من فترة، وقررت النجاح.
لكن الوقت بات قصيرا جدا للامتحانات وعليها أن تبذل مجهودا خلال الزمن المتبقي...
لاحظت أم فادي بأن ابنتها سعاد، أصبحت ترافق سمير أبن جيرانهم إلى المدرسة، تركب خلفه على الدراجة ويذهبان سوية ويعودان سوية.
في البداية تناست الأمر وتجاهلته، لكن يوم أمس صدفة جاءت أم فادي تحمل معجنات تهديها إلى الجيران، تفاجأت سمير وسعاد يتبادلان القبل بزاوية المنزل، عادت إلى البيت وهي ترتجف...
أخبرت أم فادي زوجها بالأمر. قال لها وهل نعيد مأساة فاديا وفادي. هل نحارب الحب. علينا أن ندعمه ونجعله في الطريق القويم. الحب مقدس، وشعور نبيل إذا كان تحت جناح الوصايا المقدسة، لذلك صادقي ابنتك ودعيها تخبرك بكل التفاصيل، وانت عليك أن تشرحي لها ما هو الصح وما هو الخطأ...
دعيها تفهم بأن الحب شعور مقدس يجب علينا احترامه، لا أن نخفيه ونعيشه في الظلام.
الكاتب: عبده داود
إلى اللقاء في الحلقة 7
الحلقات السابقة تجدونها في مجموعة (مجموعة رواياتي).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق