كأن رأسي يقطينة
استيقظت باكراً شبه نشيطة، أحاول التخلص من أثقال الأمس ومن رائحة المرض. لكن رأسي ثقيل مثل يقطينة الهلوين. خلعت ملابسي جميعها لعلي أنزع ماتبقى من ذلك الفايروس... أعددت فطوري وكأني أعدّ وليمة كبيرة. أمسك الأطباق بصعوبة.
وضعت الخبز على النار حتى يعيد نشاطه بعد ليلة باردة متجمدة، لكني نسيته وأحترق...
أقدامي ثقيلة جدا كأنها ليست من جسدي.
لمَ جسدي لا يطيقني؟ مازلت في صراع وتحدٍ صباحيّ، أكمل فطوري بخبزٍ محترق وبيض مسلوق.
أجبر فمي على تناول الطعام كما يُجبَر المضربون عن الطعام في السجون. هم يريدون تعديل قانون ما، لكن أنا ماذا يريد فمي؟ هل اتفق مع معدتي علي؟؟
لدي إحساس أن قطع الكعك بالتمر وعلبة القشطة تنظر إلي بانزعاج كأنها تسألني "هل سيستمر وقت الجلوس والمراقبة طويلا أم أنك ستتناولين شيئاً؟"
مازال الخبز يرمقني بنظراته كأنه يقول في نفسه "ليتني بقيت متجمّدا!" فقد أحرقته حتى تفحّم وقضيت على منظره الجميل الذي كان عليه عند خروجه من الثلاجة.
لدي شعور غريب أن حتى إبريق الشاي والكوب على الطاولة ينظران إلي بترقّب!
ومازال رأس اليقطينة الذي أحمله يدور ثقيلاً ولا يقوى جسدي على حمله... هل كل هذا بسبب مرضي ام أن هناك شيئاً آخر دخل في عروقي فأوجعني بشدة؟ كصدمة أخت تخلّت عني في محنتي أو ربما صديقة غدرتني. أيعقل أن مجموعة أمور تراكمت فقتلتني بدون أن أشعر؟
خيوط متشابكة في رأسي... الكل معه حق والكل له الحق لكن أين أنا في وسط كل تلك الخيوط؟
أنا بدون شعور أكتب صدقوني!
أصابعي تلعب على الكيبورد مثل طفل أمسك جهازاً لأول مرة. لا يعرف عنه شيئاً سوى الضغط على الأزرار، فيخرج حروفاً وشخبطات مع صوتٍ يُضحكه أحيانا ويُبكيه أحيانا أخرى..
أم لعلني مازالت أعاني من انكسار وطني؟
ولكن وطني اعتاد على الجراح، فكل يوم يمرّ، نزفّ شهيداً وكل يوم يمرّ، تُقطف آلاف الأزهار التي لم تتفتّح بعد.
ترى أي حزن انا أعيشه الآن؟ لا أعلم!
أنا ووطني نعاني من نفس الوجع، لكن بأعراض مختلفة. أنا لا أستطيع حمل رأسي وهو احتضن الجميع في داخله ونثر عليهم ترابه.
رأسي اليقطينة، رأسي مليء بالحكايات القديمة مثل نبيذ معتق من آلاف السنين، لذيذ الطعم لكن لا يستطيع أن يحصل عليه أحد .
حروف مبهمة وكلمات متقاطعة في جريدة علينا حلّها بحروف ناقصة. وكلمة السرّ في النهاية ماهي إلا كذبة من آلاف الأكاذيب.
تركت أصابعي تحدّد نهاية نص وبقيت أنظر كيف تسير الأمور وإلى ما سوف تنتهي..
ومازال رأسي الثقيل يتعبني..
أتراني أستطيع أن أخلعه من مكانه وأذهب به إلى حاوية القمامة وأفرغه مما يثقله؟
حبذا لو نستطيع إفراغ الهموم المتراكمة في سلة المهملات!
ياليت! مجرد أمنيات من امرأة تحمل آلاف الرسائل المبهمة..
إن لم تعش في زمن الرسائل الورقيّة، لا تكتب أبداً عن الحب شيئا....
/احلام طه حسين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق