الجمعة، 20 يونيو 2025

اطياف الامس بقلم رنا عبدالله

 أطياف الأمس


كانت "ليلى" تعيش في بيتٍ قديم على أطراف المدينة، بيت ورثته عن جدتها، بجدرانه المشققة ونوافذه المطلة على حديقة مهجورة تغزوها الأعشاب. لم تكن تعرف الكثير عن ماضيه، سوى أنه كان مأوى للهدوء في أيام مضت.


في كل مساء، كانت تجلس في غرفة المعيشة، تُقلب ألبوماً قديماً امتلأ بصور باهتة لوجوه لا تتذكرها، وأحياناً تسمع صوت خطوات خفيفة في الممر، ثم يخيّل إليها ظل عابر يمرّ من خلف الباب. لم تكن تخاف، بل كان شيئاً فيها يحنّ لتلك الظلال.


في أحد الليالي، حين كانت العاصفة تعصف بأغصان الشجر، انطفأت الكهرباء فجأة. حملت ليلى شمعة وسارت بين الجدران، حتى سمعت صوتاً ناعماً يناديها من الغرفة العلوية. "ليلى... هل تذكّرتِ؟"


توقفت، قلبها خفق بقوة، لكنها لم تهرب.


دخلت الغرفة، فوجدت صندوقاً خشبياً لم تفتحْه من قبل. فتحته بحذر، وداخل الصندوق كانت هناك رسائل قديمة، كُتبت بخط يد أنيق، وألبوم صورٍ آخر... لكن هذه المرة، كانت الصور مألوفة.


طفلة بعينين واسعتين، تضحك وهي تركض في الحديقة. امرأة جميلة تمسك يدها، وجدٌّ بشارب كث. دموع ليلى انسابت بصمت. كانت هذه هي عائلتها، التي لم تتذكرها منذ حادث السيارة حين كانت في العاشرة.


كانت الذكرى مغلقة وراء باب من الصمت، لكنها الآن عادت...


ومعها، عادت أطياف الأمس.


ومن تلك الليلة، كلما سكنت الريح، وكلما سارت ليلى في البيت، كانت تسمع ضحكات خافتة، وأغاني كانت تُغنى لها في طفولتها. لم تكن الأشباح تخيفها، بل كانت تسكنها... كانت أطياف من كانت تحبهم، يأتون ليطمئنوا أن ذاكرتها عادت، وأنها لم تَعُد وحدها.



بقلم رنا عبد الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الصباح ليس مجرد وقت بقلم رنا عبدالله

 الصباح ليس مجرد وقت، إنه فرصة ثانية لنكون أكثر حناناً مما كنا عليه بالأمس. ​لا تخرج إلى العالم وفي جيبك "واجبات" فقط، بل احمل في ...